|
باب في الإخلاصَ وإحضَار النية في جميع الأعمال الظاهرة
والخفية
قال الله تعالى: {وَمَا
أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ}.
معناه: الملَّة المستقيمة. وقيل: الأمة
المستقيمة. وقيل:
القائمة بالحق، والله أعلم.
وقال الله تعالى: {وَمَن
يَخْرُجْ مِن
بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ
يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ
وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ}.
وقال الله تعالى: {رَّبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَا
فِي نُفُوسِكُمْ}.
وقال الله تعالى: {لَن
يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ
التَّقْوَى مِنكُمْ}.
قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ معناه: ولكن يناله
النيات منكم.
وقال إبراهيم: "التقوى" ما يُراد به وجههُ.
وقال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال الزجاج؛
المعنى: لن يتقبلَ
الله الدماء واللحوم، إذا كانت من غير تقوى الله تعالى،
وإنما يتقبل منكم ما
ستتقونه به؛ قال: وهذا دليلٌ على أن شيئًا من
العبادات لا يصح إلا بالنية، وهو:
أن ينويَ به التقرب إلى الله تعالى وأداء ما أمر به.
باب
في الإخلاصَ وإحضَار النية في جميع الأعمال
الظاهرة والخفية.
[إنما الأعمال بالنيات]
أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن
سعيد بن
الحسن بن المفرج بن بكار المقدسي النابلسي الدمشقي
الشافعي رضي الله عنه، قال:
أخبرنا أبو اليمن الكِنْدي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي
الأنصاري، أخبرنا أبو محمد
الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو الحسن محمد بن المظفر
الحافظ، أخبرنا أبو بكر
محمد بن محمد سليمان الواسطي، حدثنا أبو نعيم عبد بن
هشام الحلبي، حدثنا ابن
المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي،
ن علقمة بن وقاص الليثي، عن
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن
كانت هجرته
إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت
هجرته إلى دنيا يصيبها، أو
امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
هذا حديث متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته،
وهو أحد قواعد
الإيمان، وأول دعائمه، وأشد الأركان؛ وهو "حديث"
فرد "غريب" باعتبارٍ،
مشهور باعتبار آخر، ومداره على يحيى بن سعيد
الأنصاري. قال الحافظ: لا يصح هذا
الحديث عن النبي إلا من جهة عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، ولا عن عمر، إلا من جهة
علقمة، ولا من علقمة إلا من جهة إبراهيم بن محمد
التيمي، ولا عن محمد إلا من جهة
يحيى بن سعيد، وعن يحيى انتشرت روايته عن أكثر من مائتي
إنسان، أكثرهم أئمة، ورواه
الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل "البخاري"
-رحمه الله تعالى- في
"صحيحه" في سبعة مواضع:
فرواه في أول كتابه، ثم في الإيمان، ثم في النكاح، ثم
في العَتق، ثم
في الهجرة، ثم في ترك الحِيَل، ثم في النذر.
ثم إن هذا الحديث روي في الصحيح بألفاظ:
"إنما الأعمال بالنيات"، "إنما الأعمال
بالنية"، "العمل
بالنية".
وأما الذي وقع في أول كتاب الشهاب: "الأعمال
بالنيات" بجمع
الأعمال والنيات، وحذف "إنما" فقال الحافظ أبو موسى
الأصبهاني: لا يصح إسناد
هذا.
وأما معنى "النية" فهو القصد وهو عزم القلب.
وإنما: لفظة موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما
عداه. فمعنى
الحديث: لا تصح الأعمال الشرعية "إلا بالنية".
-ومن
قصد بهجرته رضاء الله تعالى ورسوله (فهجرته مقبولة. وأجره
واقع على الله تعالى، ومن قصد بها الدنيا في حظه؛ ليس
له غيرها! وفي هذا الحديث
اشتراط النية في الوضوء [وغيره] والغسل، والتيمم،
والصلاة، والزكاة، والصوم،
والاعتكاف، والحج وغيرها.
قال إمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي
الله عنه:
"ويدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه"؛
وقال أيضًا: "يدخل في هذا الحديث ثلث العلم".
وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى
عنه:
"يدخل فيه ثلث العلم".
وكذا ذكره أيضًا غيرهما.
قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في أول كتابه
"مختصر
السنن": معنى قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:
"يدخل فيه ثلث العلم":
أن كسب العبد إنما يكون: بقلبه، ولسانه، ونياته.
والنية: أحد أقسام كسبه، وهي أرجحها؛ لأنها تكون
عبادة بانفرادها،
بخلاف القسمين الآخرين؛ ولأن القول والعمل يدخلهما
الفساد بالرياء، ولا يدخل
النية.
باب
في الإخلاصَ وإحضَار
النية في جميع الأعمال
الظاهرة والخفية.
[ما استحبه العلماء]
واستحب العلماء -رضي الله عنهم- أن تُستفتح المصنفات
بهذا
"الحديث"؛ وممن ابتدأ به في أول كتابه: الإمام
أبو عبد الله "البخاري"
-
رحمه الله تعالى - في أول حديثه في "صحيحه" الذي هو
أصح الكتب بعد كتاب الله
تعالى.
-وروّينا
عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى
قال: لو صنفت كتابًا بدأت في أول كل باب منه بهذا
الحديث.
-ورُوّينا
عنه -أيضًا- قال: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا
الحديث.
-وروينا
عن الإمام أبي سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي رحمه الله،
فيما قرأته في أول كتابه "الإعلام" في شرح "صحيح
البخاري" قال: كان
المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث: [إنما]
الأعمال بالنية، أمام كل شيء
يُنشأ ويُبتدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في
جميع أنواعها.
-وبلغنا
عن جماعات من السلف رضي الله تعالى عنهم أشياء كثيرة من نحو
هذا من الاهتمام بهذا "الحديث" والله أعلم.
-وفي
إسناده شيء يستحسن، ويستغرب عند المحدثين، وهو: أن رواته
اجتمع فيهم ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم:
يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد
بن إبراهيم التيمي، وعلقمة بن وقاص الليثي رضي الله
تعالى عنهم.
-وهذا
وإن كان "مستظرفًا" فهو كثير في الأحاديث المستظرفة
"الصحيحة" يجتمع ثلاثة "تابعيون" بعضهم عن بعض،
وقد رويت أحاديث رباعيات
أربعة "صحابيون" بعضهم عن بعض، وأربعة
"تابعيون" بعضهم عن بعض.
-وقد
جمعها الحافظ عبد القادر الرهاوي رحمه الله تعالى في جزء صنفه
فيها، وأنا أرويها وقد اختصرتها في أول شرح "صحيح
البخاري" - رحمه الله تعالى
-
وضممت إليها ما وجدته مثلها، فبلغ مجموعها زيادة على
ثلاثين حديثًا والله أعلم.
-ومما
ينبغي الاعتناء به بيان الأحاديث التي قيل: إنها أصول
الإسلام، وأصول الدين؛ أو عليها مدار الإسلام، أو مدار
الفقه والعلم. فنذكرها في
هذا الموضع؛ لأن أحدها حديث "[إنما] الأعمال
بالنية"، ولأنها مهمة فينبغي
أن تقدم.
-وقد
اختلف العلماء في عددها اختلافًا كثيرًا. وقد اجتهد في جمعها
وتبيينها الشيخ الإمام الحافظ، أبو عمرو عثمان بن عبد
الرحمن المعروف بـ "ابن
صلاح" -رحمه الله تعالى- ولا مزيد على تحقيقه
وإتقانه.
فأنا أنقل ما ذكره -رحمه الله تعالى- مختصرًا، وأضم
إليه ما تيسر
مما لم يذكره؛ فإن الدين النصيحة.
باب
في الإخلاصَ وإحضَار النية في جميع الأعمال
الظاهرة والخفية.
[إضافة الكلمة إلى قائلها]
-ومن
"النصيحة" أن تضاف الفائدة التي تُستغرب إلى قائلها؛ فمن
فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أ من ذلك، وأوهم
فيما يأخذه من كلام غيره أنه
له، فهو جدير أن لا يُنتفع بعلمه، ولا يُبارَك له في
حاله.
-ولم
يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله
تعالى التوفيق لذلك دائمًا.
باب
في الإخلاصَ وإحضَار النية في جميع الأعمال
الظاهرة والخفية.
[الأحاديث التي عليها مدار الإسلام]
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى بعد أن حكم أقوال
الأئمة في
تعيين "الأحاديث" التي عليها مدار الإسلام،
واختلافهم في أعيانها وعددها فبلغت
ستة وعشرين حديثًا:
[النية] - "أحدها" حديث: (إنما الأعمال
بالنيات).
[البدع والأهواء] - "الثاني" عن عائشة رضي الله
تعالى عنها
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه
فهو رد).
هذا حديث متفق على صحته، رواه البخاري ومسلم في
صحيحيهما.
وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا
...).
ومعنى رد: مردود، كالخلق بمعنى المخلوق.
[ظهور الحلال والحرام] - "الثالث" عن النعمان
بن بشير رضي
الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (إن الحلال
بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا
يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى
الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات
وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى
حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه: ألا وإن لكل مَلِكٍ
حمى، ألا وإنَّ حمى الله
محارمُهُ، ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صلُحَت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد
كله؛ ألا وهي القَلَب).
هذا حديث متفق على صحته، رويناه في "صحيحيهما".
يوشك: بضم الياء وكسر الشين المعجمة، أي يسرع.
[جمع الخلق] - "الرابع" عن عبد الله بن مسعود
رضي الله
تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله وهو الصادق
المصدوق:
(إن أحدكم يجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة،
ثم يكون علقة
مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك
فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع
كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو
الله الذي لا إله غيره، إن
أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها
إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب،
فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإن أحدكم ليعمل بعمل
أهل النار، حتى ما يكون بينه
وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل
الجنة فيدخلها ..)
"رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما".
قوله: "بكتب" بالباء الموحدة الجارة.
[ترك الريب] - "الخامس" عن الحسن بن علي رضي
الله عنهما
قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع
ما يريبك إلا ما لا
يريبك).
"حديث صحيح رواه أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن
النسائي".
قال [أبو عيسى] الترمذي: حديث صحيح.
وقوله: "يريبك" بفتح أوله وضمه لغتان؛ الفتح
أشهر.
[من حسن إسلام المرء] - "السادس" عن أبي هريرة
رضي الله
تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه).
"حديث حسن" رواه الترمذي وابن ماجه.
[الحب والإيمان] - "السابع" عن أنس بن مالك رضي
الله تعالى
عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه).
"متفق على صحته".
[إن الله طيب] - "الثامن" عن أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها
الناس! إن الله تعالى طيب لا
يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر
به المرسلين، فقال تعالى:
{يَا
أَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
صَالِحًا إِنِّي بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.
وقال تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى
السماء يا رب!
يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام،
وغُذيِّ بالحرام، فأنَّى يُستجاب
لذلك!).
رواه مسلم في صحيحه.
[لا ضرر ولا ضرار] - "التاسع" حديث: "لا
ضرر ولا
ضرار".
رواه مالك مرسلًا، ورواه الدارقطني، وجماعة، من وجوه
متصلًا وهو:
"حديث حسن".
[الدين النصيحة] - "العاشر" عن تميمٍ الداريِّ
رضي الله
تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه
ولرسوله، ولأئمة
المسلمين وعامتهم).
ره مسلم.
[الأمر والنهي] - "الحادي عشر" عن أبي هريرة
رضي الله تعالى
عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما
نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما
أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من
قبلكم كثرة مسائلهم،
واختلافهم على أنبيائهم).
متفق على صحته.
[حب الله والناس] - "الثاني عشر" عن سهل بن سعد
رضي الله
تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله!
دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس!
فقال: ازهد في الدنيا يحبك
الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).
"حديث حسن" رواه ابن ماجه.
[متى يستحل الدم] - "الثالث عشر" عن ابن مسعود
رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل
دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله
إلا الله، وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيب
الزان، والنفس بالنفس، والتارك
لدينه المفارق للجماعة).
"متفق على صحته".
[متى يقاتل الناس؟] - "الرابع عشر" عن عبد
الله بن عمر
رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:
"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله، وأنَّ
محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا
فعلوا ذلك، عصموا مني
دماءهم وأموالهم، إلا |